ابن رشد
108
تهافت التهافت
مستغن عن الفاعل ، فهذا كله يحل لك هذا الاشتباه ويرفع عنك الحيرة التي تنشأ للناس من هذه الأقاويل المتضادة . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : إن اعترفتم بجواز كون الفعل مع الفاعل غير متأخر عنه فيلزم منه أن يكون الفعل حادثا إن كان الفاعل حادثا وقديما إن كان قديما . وإن شرطتم أن يتأخر الفعل عن الفاعل بالزمان فهذا محال إذ من حرك اليد في قدح ماء تحرك الماء مع حركة اليد لا قبلها ولا بعدها إذ لو تحرك بعدها لكان اليد مع الماء قبل تنحيه في حيز واحد ولو تحرك قبلها لا نفصل الماء عن اليد وهو مع كونه معها معلوله وفعل من جهته فإن فرضنا اليد قديمة في الماء متحركة كانت حركة الماء أيضا دائمة وهي مع دوامها معلولة ومفعولة ولا يمتنع ذلك بفرض الدوام فكذلك نسبة العالم إلى اللّه . قلت : أما في الحركة مع المحرك فصحيح وأما في الموجود الساكن مع الموجد له أو في ما ليس شأنه أن يسكن أو يتحرك إن فرض موجودا بهذه الصفة فغير صحيح ، فليكن هذه النسبة إنما وجدت بين الفاعل والعالم من جهة ما هو متحرك . وأما أن كل موجود يلزم أن يكون فعله مقارنا لوجوده فصحيح إلا أن يعرض للموجود أمر خارج عن الطبع أو عارض من العوارض وسواء كان الفعل طبيعيا أو إراديا ، فانظر كيف وضعت الأشعرية موجودا قديما ومنعوا عليه الفعل في وجوده القديم ثم أجازوه عليه حتى كان وجوده القديم انقسم إلى وجودين قديمين ماض ومستقبل ، وهذا كله عند الفلاسفة هوس وتخليط . قال أبو حامد مجيبا للفلاسفة في القول المتقدم : قلنا : لا نحيل أن يكون الفعل مع الفاعل بعد كون الفعل حادثا كحركة الماء فإنها حادثة عن عدم فجاز أن يكون فعلا ثم سواء كان متأخرا عن ذات الفاعل أو مقارنا له . وإنما نحيل الفعل القديم فإن ما ليس حادثا عن عدم فتسميته فعلا مجاز مجرد لا حقيقة له . وأما المعلول مع العلة فيجوز أن يكونا حادثين وأن يكونا قديمين كما يقال أن العلم القديم علة لكون القديم عالما ولا كلام فيه وإنما الكلام فيما يسمى فعلا ومعلول العلة لا يسمى فعل العلة إلا مجازا بل يسمى فعلا بشرط أن يكون حادثا عن عدم فإن تجوز متجوز بتسمية القديم الدائم الوجود فعلا لغيره كان متجوزا في الاستعارة . وقولكم لو قدرنا حركة الماء مع الإصبع قديمة دائما لم يخرج حركة الماء عن كونها فعلا تلبيس لأن الإصبع لا فعل له وإنما الفاعل ذو الإصبع وهو المريد ولو قدر قديما لكانت حركة الإصبع فعلا له من حيث أن كل جزء من الحركة فحادث عن عدم فهذا الاعتبار كان فعلا وأما حركة الماء فقد لا نقول أنه من فعله بل هو من فعل اللّه وعلى أي وجه كان فكونه فعلا من حيث أنه حادث إلا أنه دائم